أخبار محليةأخبار وطنية - دولية

الهجرة النبوية: أي دلالات في واقع الناس ؟

ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة - MEDIA COM ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة -  MEDIA COM

كمال الدين رحموني
كتابُ السيرة النبوية ليس تاريخا، أو احتفالا واحتفاء، سرعان ما يمضي وينقضي بانقضاء الزمن المتجدّد، وإنما سيرتُه -عليه السلام- كتاب مفتوح لا تُحصيه خطبة عصماء، ولا يحيط بها كتابٌ بشريٌّ بسقف زمنيٍّ محدّد، إنما السيرةُ النبويّة سِفْرٌ مفتوح منذ الإرهاصات الأولى للنبوة من البعثة إلى يوم الناس هذا، ولن تُغلَق صفحاتث سيرته العطرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، “قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا” الكهف 104. وحين نُقلّب صفحات السيرة العطرة، ونفتحها على أعظم الأحداث – ونحن نعيش استهلال عام هجري جديد وانقضاء آخر ماض- يبرز الحدث المضيء في تاريخ الأمة، حدث الهجرة العظيم. إن أول كلمة خطَّها النبي الكريم في مشروع الهجرة المباركة- قبل أن يحين وقتها بزمن-، يوم جاءت قريش تساوم وتُغري صاحب المشروع الإنسانيِّ العظيم بما يستعبد الناسَ عادةً :” إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سوَّدْناك علينا”. فلو كانت المفاهيم التي تسود اليوم- مما يلهث وراءه الأتباع- رائجةً، لأدركتْ قريش طِلْبَتها، ولحازت بُغْيَتها، لكنّ المبادئَ التي حملها النبي الكريم ارتقت فوق الزخارف، وَتَصَدَّت للمغريات، فكان الجوابُ النبويُّ الصارمُ:” والله يا عمُّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أتركَ هذا الدين ما تركته حتى يُظْهِرَه اللهُ أو أهلك دونه”. تخيّلوا: لو أنّ النبي الكريم قبِلَ العَرض السمين، ” الهَمْزَة” بلغة سُذّجِ العصر، هل كان في حاجة إلى أن يهاجر إلى ربه ؟ لكنه -عليه السلام- يريد ما هو أعظم من الشمس والقمر والسماوات والأرض، كان همُّه عقيدةً سليمة تنتشر، وفكرةً رصينة تسود، ومجتمعاً سويّاً يولَد، وإسلامًا حنيفاً يَكتمِل، ودون هذا المقصد عقباتٌ وتحديات، للنفس وللفرد حاملِ المشروع الهادي إلى صراط الله المستقيم. إنّ الهجرة لم تكن لدنيا مرجوَّةٍ، أو لمغانمَ مطلوبةٍ، أو لزهرةِ حياةٍ مُجْتَناةٍ، ولم تكن هجرةً من بلد إلى أفضلَ منه، أو لطلب عمل دنيويٍّ أحسن، وإنما كانت الهجرة تعني تركَ الديار والأموال، وتوديعَ الذكريات والتخلِّيَ عن آصرة الحنين إلى الوطن ومفارقة الأحبة، ولذلك عبّر النبي الكريم عن سمُوِّ الشوق الفطريِّ الذي يداهم المرء في لحظات الخروج القسريِّ مُلتفتا إلى مكة- كما رواه القرطبيُّ في تفسيره- فقال:” اللهمَّ أنتِ أحبُّ البلادِ إلى اللهِ، وأنتِ أحبُّ البلادِ إليَّ ، ولولا المشركونَ أهلُكِ أخرجوني لمَاَ خرجتُ منكِ.” فنزلت الآية تصديقا للنبي الكريم:” وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ” محمد 14. هو المنهج نفسه: الإخراج من الديار، والتهجير من الأوطان، يستمر في يوم الناس هذا في حق كلّ من هاجر بفكره وقلبه وسلوكه إلى الله ورسوله. والهجرةُ لم تكن هروبا ولا فرارا، بل كانت استعدادا لأيام عظيمة، ولذلك عظّمَ الله أجرها بقوله سبحانه:” وَالذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ” الحج 56. قد يقول قائل إنّ إسقاط حدث الهجرة على واقع الناس اليوم، استدعاء لا يُسعِف لاعتبار الزمن والظروف، فالحدثُ تاريخٌ قد ولّى، أو هو “تجربة نبوية” مؤيَّدةٌ بالوحي، فأيُّ علاقة تربطنا بحدث انقضى؟ إن الغرض من استحضار الهجرة باعتبارها مرجعا نبويا دلاليا يتجدد في الأمة كلما أزِفَ موعدها، ذلك لأنّ الحدثَ الهجريَّ النبويَّ، يزخر بالمعاني التي يظن بعض المسلمين أنها مقطوعة الصلة بعالم متحرّر من “قيود” الدين، مُستنير بـــــ”أنوار” العصر، لكونها قاعدة صلبة سارية تقوم عليها ثقافة أمة ظلت، وستظل تعَضُّ بالنواجذ على إرثها الحضاريِّ الذي تُشكِّل لبنةُ الهجرة إحدى أهم ركائزه الحضارية، بدلالاتها العظيمة.
ـمقصد النية: في حديثه -عليه السلام- الصحيح أجْمَلَ مطالبَ الناس في الهجرة، فقال:” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها(يتزوجها) فهجرته إلى ما هاجر إليه”. فقد تتعدد أنواع الهجرة إلى الدنيا في حياة الناس، وهي حاصلة اليوم، لكنها ليست كالهجرة لبناء أمة، لنصرة مظلوم، لترسيخ فكرة سليمة، لإسداء معروف لمن يحتاجه، فلا يستوي من ترك ما يملك من أرض ومتاع ابتغاء مرضاة الله، مع من عاش لحياته أو لذويه فقط. ثم إن حدث الهجرة لم يكن ليبرز كحدث عظيم وفعلٍ إنسانيٍّ جليل لولا امتحانان: أحدُهما معنويٌّ أساسُه الإيمان بزوال الدنيا ومتاعها، ولذلك اختُبر المنتصرون لفكرة الهجرة بالدنيا ومتاعها: زُهدًا فيها وتركًا لها في لحظات عصيبة، فكان النجاح في الامتحان الأول. وأما الامتحان الثاني فهو الإعداد الماديُّ والتخطيط. إن دعوى الإيمان لا تكفي، إلا إذا تُرجمت في ساعات المحن والشدائد مواقفَ شامخة، وهو المنطوق من قوله تعالى:” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ” العنكبوت 1-2، وبعد الابتلاء يُتَوَّجُ الفاعلُ بالجزاء على قدر البذل والتضحية والعطاء، فقد قال تعالى:” الذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ” التوبة 20
ـ الهجرة بعدما تضيق مساحة الحرية: لقد تمت الهجرة بعد ثلاث سنوات من موت خديجةَ – رضي الله عنها-، وعمِّه أبي طالب، وقد كان ممكنا أن يكون مأوى الهجرة مختلفا عن المدينة، ولكنّ الله عز وجل أراد أن تكون المدينةُ هي دارَ الهجرة، فليس المكان هو المهمَّ، ولكنّ الأهمَّ أن الهجرة لم تكن عملا سلبيا، أو تقاعسا عن الواجب، أو هروبا من عنت قريش، أو استسلاما لضعف في النفس، ولكن ما ترك المسلمون ديارهم وأموالهم وتجاراتِـهم إلا بعد أن سُدّت في وجوههم حرية الدعوة والتعبير بالفكرة، أما إذا بقيت أبوابها مفتوحة، فالأولى أن يبقى المرء حاضرا لِـرَتْق النُّدوب التي تعتري مساحة الوطن، وكم هو الوطن في حاجة إلى من يلملم جراحه، وينهض به مادام المجال مفتوحا لكل ناصح أمين. إنَّ الهجرة لطلب الدنيا يكفي المرءَ منها كفافٌ ورزق معلوم، فإذا تحقق المراد فالأولى أن يكتفيَ بالإقامة في البلد عوض الهجرة، خاصة إذا كان القصد الحضاريُّ حاضرا.
ـ القدوة في القيادة المثالية: من سرديات الهجرة النبوية، أن النبي الكريم أصدر الأمر بالهجرة للمهاجرين أولا، ولم يهاجر إلا بعد أن هاجر الجميع، فلم يكن همّه النجاةَ بنفسه، أو تأمينَ حاله، أو الحفاظَ على أمواله، إنما كان كلُّ الهمّ أن يطمئنَّ على حال من آمن بفكرة الهجرة، وبذَلَ لها الـمُهَج والأرواح والأموال، كان يتصرف كالقائد الذي لا يغادر السفينة إلا بعد الاطمئنان على ركابها، فالقيادة عنده، ليست تَرَفاً، ولا شرفا ولا رفاهيّة، وإنما مسؤولية وأمانة وتضحية. فهل يستحضر كل مسؤول- ينتشي بالاحتفال بالعام الهجريِّ الجديد- هذه المعالمَ وهو يُدير شؤون الناس، أو يقدِّمُ نفسه مُرَشَّحا لها، -وهو يعلم أو يتعالم- خطورة القيادة والنيابة، لأنها أمانة، “وإنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلَّا مَن أَخَذَهَا بحَقِّهَا، وَأَدَّى الذي عليه فِيهَ”. إنّ الواقع اليوم ينهض دليلا على أنّ السيرةَ النبويةَ في واد والمنتسبين في واد آخر، وإلا كيف تُفسَّر المعارك الطاحنة والأموال “السخيّة” للظفر بمنصب دنيوي، وكأنه شرف يُبْتغى، وزعامةٌ تُرتجى، والحقيقة أنها وبالٌ على طالبها إن ضيّعها، وقد حذّر الحق سبحانه من ذلك بقوله:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” الأنفال27. كيف ينجو يوم القيامة من لقي ربه خائنا للأمانة ؟ والعجبُ كلُّ العجب أمام الذي “كورونا” تطاردُه من كل جانب، وتحصد المئات، أو تفتك بأحد من أقاربه، لكنه لازال يحلم أن يصبح “مسؤولا”.
ـ استحضار معية الله تعالى عقيدة ويقينا: هنا تبرز قمة الثقة في الله، في لحظات المطاردة، حين خيّم الخوف على رفيقه أبي بكر -رضي الله عنه- وهما في الغار قائلا:” لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا”، فإذا بالأمل الأمل النبويِّ المشفوع بالإيمان الصادق ينبعث انبعاثا:” يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين اللهُ ثالثًهُما لا تحزن إن الله معنا”. إن النبي الكريم لم ينقطع عن ربه لحظة، دائما مع الله، ومن كان مع الله كان الله معه، “ومن كان مع الشعب خوفا من الله كان الله معه” توفيقا وتأييدا. وَيحلُّ العام الهجريُّ الثاني، ونحن في أزمة، لا ترتقي إلى عداء أهل الكفر للفكرة الناصحة، بل نحن هي أزمة صحية خانقة، عنوانها المفزع وباء حيّر العقول، وأباد الأجساد، وأحزن الأُسَر، وأقلق الساكنين، فهل نستلهم من حدث الهجرة ما يعزز المعنويات، ويعضُد النفوس، كما فعل النبي-عليه السلام- في محنته، بعد ما أعدّ العدّة، وقد أعدَّت الدولة ما تستطيع للتصدي لهذا الوباء الفتّاك المتصاعد المتكاثر، فهل أغنت الإجراءات الصحية، والتعلميات الصارمة وحدها، أم لازالت الحلقة المفقودة في التعاطي مع الوباء غائبة؟ كان الأجدى أن تُفعَّلَ قيمة التضرع إلى الله، وفي بيوت الله، لا أن تُغْلَقَ في وجوه عُمّارها. المسجدُ الذي كان أول ما دار في خلده -عليه السلام-، بعد الهجرة، أن يبنيَ مسجدا يُذكَر اللهُ فيه كثيرا، ويُلجَأ إليه فيه كثيرا، ويُتَضَرَّعُ له فيه كثيرا، وذلك ملمح مهم يعترف للدين بالحضور في مثل هذه الأزمات، فهل نهتدي إليه كما اهتدى النبي الكريم حين أجاب قائلا: “إن الله معنا”؟ أم يبقى الإصرار على الجفاء والعناد والصدّ عن كل ما يربط الحائرين الشاردين بربهم؟
ـ الهجرة وتصحيح المسار: ومن معاني الهجرة القطيعة ونُشدان الشيء، ومعنى ذلك أن يستلهمَ الناس هذا المعنى، لأنّ الهجرة زمنُ يُثَوِّرُ التفكير، ويوقظُ التّذكير، أولا، لأنه يأتي على أنقاض عام مضى لا يعود، وقد ينقضي معه أجلُ واحدٍ منا فيه، وقد عايشتِ البشريةُ أمواتا رحلوا إلى بارئهم بالأعداد، وثانيا لأن الهجرة تصحيح لنسق خاطئ في حياة المرء، ربما لم ينتبه إليه، أو ظل معرضا عنه، يحسب أنه على شيء، فهو حرٌّ مختارٌ يفعل ما يريد، فإذا بالهجرة تنسخ هذا الوهم، وتمُدُّ بصحيح الفهم، لترشد إلى رسم “خارطة طريق” جديدة بين العبد وربه ، لتبديد الاضطراب، سواء في الأفكار أو المواقف، ثم القطيعة مع سلوكات خاطئة ظلت تقوده إلى المهالك وهو لا يدري، ثم الحرص على الاستقامة والصلاح، فالهجرة عودةٌ متجددة إلى الذات، وتقليبٌ لصفحات الحياة، ومحاسبةٌ للنفس على ما فات، وعزمٌ على الإنابة والتوبة من الزلات، واستواءٌ على الصالحات. هكذا ينبغي -في وداع عام هجري مضى، وعام هجري جديد- أن نتفاعل مع بعض معاني الهجرة النبوية المباركة.
وكل عام والأمة بخير

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock