أخبار محليةأخبار وطنية - دولية

سلفية أم تسلف : منهج اندماج أم تجميد لكل نتاج؟

ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة - MEDIA COM ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة -  MEDIA COM

الدكتور محمد بنيعيش
كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

لئن كان بعض متسلفة الماضي ،المصطلح عليهم بالسلفية (التاريخية)، قد ساهموا بنوع إنتاج علمي وفكري رصين ،فيه نوع من الإفادة والجدية ،رغم ما يعتريه من خلل وتناقضات ومراكمات في كثير من أوجهه، فإنه على العكس من ذلك سنجد متسلفة عصرنا قد شوهوا صورة أسلافهم وعرضوا إنتاجاتهم مبتورة ومعوقة إلى حد ما، فزادوا من خلل المختل مبدئيا وخلّلوا الرصين كما أنهم شددوا المشَدد أصلا وضيقوا الضيق وأغلقوا منافذه حتى أصبح أصحاب هذا الاتجاه عبارة عن أشباح بلا أرواح وجماجم بغير أدمغة أدت إلى البطالة الفكرية لدى شريحة جد مهمة من المجتمع العربي والإسلامي عموما‍.
أولا:المتلسلفة بين التقليد الحرفي والانتحال المعرفي
مبدئيا قد يمكننا حصر مشارب السلفية المعاصرة كمرجعية مذهبية في شخصيات تاريخية لا تتعدى هذه الثلاثية شبه مقدسة لديهم وهي: ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب.
وفي هذا الحصر يكون اختزال جامد وهامد للأمة ولتاريخها ورجالها وصالحيها، وعلمائها وعامليها، حتى قد أصبح هؤلاء الأقطاب الثلاثة بمثابة مرجعية لا تراجع ومصدر لا يناقش، وكأن الحديث عنهم يقيد بمبدأ “لا اجتهاد مع وجود النص”. لكن أي نص هذا وأي فكر يحتويه ذاك الذي سطره المتسلفة المتقدمون وتلقفه المتأخرون حتى جعل تيار الماء العلمي راكدا ومعرضا للتغيير في لونه وطعمه ورائحته، بسبب طول مكثه على السطح أو بسبب ما تراكم عليه من شوائب وإسقاطات ونفايات داخلت عناصره فأصبح لا يستطيع أن يؤدي وظيفته التطهيرية أو الإروائية مما عرض له من إهمال وركود؟
ولئن كان بعض متسلفة الماضي المصطلح عليهم بالسلفية (التاريخية) قد ساهموا بنوع إنتاج علمي وفكري رصين وفيه نوع من الإفادة والجدية رغم ما يعتريه من خلل وتناقضات ومراكمات في كثير من أوجهه فإنه على العكس من ذلك نجد متسلفة عصرنا قد شوهوا صورة أسلافهم وعرضوا إنتاجاتهم مبتورة ومعوقة فزادوا من خلل المختل مبدئيا وخللوا الرصين كما أنهم شددوا المشدد أصلا وضيقوا الضيق واغلقوا منافذه حتى أصبح أصحاب هذا الاتجاه عبارة عن أشباح بلا أرواح وجماجم بغير أدمغة أدت إلى البطالة الفكرية لدى شريحة جد مهمة من المجتمع العربي والإسلامي عموما‍.
فمن مظاهر خلل المتسلفة في الماضي ظاهرة العمل على هضم وقضم العلوم التي كتبها غيرهم ثم إدراجها في كتاباتهم واعتمادها للطعن في أصحابها ليس على سبيل النقد البناء أو البحث عن الحقيقة، وإنما الاندفاع بسبب جزء رأي أو فلتة لسان أو زلة قلم لا تناسب أفكارهم ومذهبيتهم في التأويل والتحليل لتشويه صورة الآخر في نظر الجمهور تحت غطاء دعوى السلفية والتزام منهج السلف الصالح حتى ينفر من تلك الكتابات ويطعن فيها بشكل غوغائي وجزافي، ليس له من سند في ذلك سوى أن ابن تيمية أو ابن قيم الجوزية قد انتقد هذا العالم أو ذاك سواء كان من أهل الفقه أو الكلام والتصوف.
ومن هنا فإن التقليد سوف لن يقتصر على الأفكار وعدم تطابقها وإنما سيطال الأخلاق في جوانبها السلبية وتكريس جرأة ووقاحة قد تؤدي إلى سب كبار رجال الأمة وعلمائها وصالحيها…
وهذا النوع من القصور والهضم الذي نبهنا إلى بعض أوجهه في نقص التكوين عند الجامعيين وطلاب الكليات ذوي الخلل في المنهج والتلقين قد ظهر بصورة جلية عند ابن تيمية وابن قيم الجوزية بشكل ملحوظ وطاغي حتى أن بعض الدارسين كمحمود الغراب في كتابه “شرح كلمات الصوفية والرد على ابن تيمية” ذهب إلى اتهام ابن تيمية خاصة باختلاس أفكار الشيخ محيي الدين بن عربي وغيره، ثم تبنيها وفي التالي العودة باللائمة على صاحبها في شكل نكران للجميل والتظاهر بالتدقيق والتحليل. غير أن الأمر ليس كذلك عند التمحيص، إذ السلفية الحقيقية تقتضي أن ينسب الحق إلى أهله, ويقتدى بمصدره ومنبعه، لا أن توضع بينه وبين طالبيه الوسائط والحجب مما يغير صورته ويبهت لمعانه وبريقه، فيضعف في النفوس الطلب ويتقاعس الطالب، أو أن يجري وراء سراب حتى “إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب”.
وكمدعم لإمكانية صدق دعوى محمود غراب وغيره وجدنا تصريحا لابن تيمية أو إن شئنا قلنا فلتة من اعترافاته باستفادته من كتابات الشيخ محيي الدين ابن عربي يقول فيها: “وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات والكنة، والمحكم المربوط، والدرة الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا.
فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان”.
ولم يكتف ابن تيمية بهذا الانقلاب النظري الكلي لأسباب جزئية أو أقوال متفرقة إما أنه لم يفهمها وهذا هو الصحيح وإما أن بعضا منها دس على الشيخ ابن عربي كما كشف عن ذلك الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه “اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر”، بل ذهب إلى الاستنجاد بالأحلام والإسقاطات الذاتية الصادرة من طرف بعض أعداء الشيخ ابن عربي، كما يحكي: “حدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الزنياري أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت في منامي ابن عربي وابن الفارض، وهما شيخان أعميان يمشيان ويعثران ويقولان كيف الطريق؟ أين الطريق؟”
وهذا إن دل على شيء فإنه يبين لنا نوعية الأحكام الجاهزة والمتسرعة بصورة متقطعة ومنقطعة عند ابن تيمية دون الالتزام بالقواعد الأصولية، كإحالة المحكم على المتشابه أو المعمم على المخصص أو المطلق على المقيد أو حتى الناسخ على المنسوخ، والمحكي على المقرر مع التثبت والتيقظ قبل الأخذ والرد، وهو ما يجعل القارئ يحتفظ بالأفكار السليمة ويترك الأخرى على اعتبار أنها دسيسة وتحريف أو أنها زلة قلم أو عثرة لسان، تمشيا مع التوجيه النبوي مما يروى في قوله صلى الله عليه وسلم “أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم” كأخلاق إسلامية متجذرة في وعي العلماء والعامة على حد سواء.

ثانيا:المتسلفة والتقمص الذاتي للمنهج الصوفي

ولسنا الآن بصدد محاكمة ابن تيمية أو مقارنته بغيره، إذ أننا قد أفردنا دراسة مختصرة لهذا الموضوع سميناه “الموضوعية والذاتية بين الغزالي وابن تيمية”أو”قضايا سلفية بين الغزالي وبان تيمية”.. دللنا فيه بإيجاز على نوع التسرعات التي تخللت دراسات ابن تيمية النقدية وبعض أوجه التناقضات في المواقف سواء على مستوى علم الكلام أو علم التصوف، بحيث إن هذا الأخير قد أصبح بسببه فيما بعد مرمى للسهام ومقصدا للسباب والتهجم بغير مبرر شرعي أو أخلاقي، أو حتى تقليدي كامل وشامل لما ذهب إليه ابن تيمية وغيره من الحنابلة المتسلفة في منحاهم الإيجابي تجاه هذين العلمين وأقطابهما، إذ أن ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية يعترفان صراحة وبوضوح تام لأقطاب التصوف بفضلهم على الأمة كالشيخ عبد القادر الجيلاني والجنيد والشبلي وغيرهم، وبالتالي فهو يقر للطرق الصوفية مشروعيتها بدليل اعترافه بالشيخ عبد القادر الجيلاني ومن سار على مسلكه، كما أنه يقسم الصوفية نظريا إلى ثلاثة أقسام كلها ملتزمة بأحكام الشريعة ومتفاوتة في تطلعاتها ومراتبها العملية والعلمية المعرفية كما يقول المثل: “ثم إنه –أي التصوف- بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم”.
لكن متسلفة عصرنا لا يرون في المواقف سوى الجانب النقدي الهدام والمعمم بغير تخصيص، والمطلق بغير تقييد، ويسعون إلى الرفض الكلي لما لا يوافق أهواءهم وتحجر أذهانهم، بخلط الأوراق بين التسلف والتزيف، وبين السجية والتكلف مما يؤدي في النهاية إلى الانصراف عن أهل الحق والوقوع في الحرمان والتخلف، وهذه هي عين البطالة الفكرية التي أصبح عصرنا يشتكي من آفاتها باسم السلفية المحرفة وهي ذات قطيعة مع السلف الصالح وحتى السلفية التاريخية المرحلية منذ زمن ابن تيمية وابن قيم الجوزية، الشيء الذي نبهنا عليه بدقة وبلغة علمية في كتابنا المتواضع، “البعد التوحيدي للذكر في الإسلام: الوسيلة والغاية” وأيضا “التجديد في دراسة علم التوحيد”.
إذ الذي حدث لابن تيمية إن صح القصد كما ذهب إليه محمود الغراب وغيره سواء في نقده لأقوال وكتابات الآخرين أو إدراجها في كتبه بغير إذن أو دلالة على إحالة تبين أصلها ومن ثم صبغها بشارة السلفية هو نفسه الذي سيحدث لتلميذه ابن قيم الجوزية وخاصة في مجال علم الكلام والتصوف رغم أنهما في جوانب كثيرة يعودان إلى الإحالة، ولكن ليس كلها، كما تلحظه في كتابه الروح مثلا لغاية أنه يعرض آراء حول النفس يخالف فيها أستاذه ابن تيمية أحيانا وينزلق مع ابن حزم الظاهري في القول بجسمية الروح، وأيضا ما طرحه من آراء وتقسيمات حول النفس الإنسانية ومراحلها وعناصرها، وهي ذات مرجعيات صوفية عبارة ومعنى ودراسة وتحليلا، كما نجد الشيء ذاته وبصورة مفصلة ومعمقة في كتابه “مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين” وهو كتاب صوفي مقتبس بالحرف والفاصلة من أقوال وكتابات الصوفية، لكنه مؤلف على شكل نقد بل بديل متسلف للتصوف يقوم على الصياغات الذاتية نظريا واقتباسا، وبالتالي تجزيئا وتحكما في صياغة المنهج وطريقة العمل. بحيث من جهة يبدو وكأنه يؤيد التصوف في نتائجه ومعارفه وعلومه النفسية والأخلاقية”، ولكن من جهة أخرى كأنه يريد أن يقصي التصوف كطريقة وميدان مستقل بمنهجه ومؤسس مدرسيا بين الشيخ والمريد وتلقين الأوراد وضبط الواردات… ومن هنا فقد تسقط التصورات الذاتية التي يصوغها ابن قيم الجوزية كما صاغها قبله شيخه ابن تيمية باعتباره فقيها حنبليا متشددا وباعتباره متسلفا متكلفا يدعي أنه يلتزم منهج السلف الصالح في الأقوال والأفعال والعبادات.
وهذا المسلك في الكتابة هو الذي بعينه ،ولكن بصورة جد مشوهة ومستهجنة ورديئة، وجدناه يبرز عند متسلفة أو متسلقة عصرنا، وذلك حينما شعروا بأن الخطاب الصوفي مازال يحتفظ بحيويته طول الدهر، لأنه صدر من أهل الحق ومن قلوب مستنيرة بذكر الله وطهارة النفوس، فأرادوا تقليده من جهة ومعاكسته من جهة أخرى ،فلا هم بقوا على تسلفهم ولا هم تراجعوا عن تسلقهم، وإنما سقطوا على أم رأسهم، لأن أسلوبهم بدأ يخرج على شكل هجين مسلوب المذاق، لا هو من نموذج ذوقيات وعمقيات ابن عربي ولا هو من جمالية أدبيات حكم ابن عطاء الله السكندري ولا من شعريات وخمريات ابن الفارض والشيخ البوزيدي، وإنما ظهر مشوها لا ينتمي إلى الحقيقة في شيء ولا إلى العلم أو الأدب وفن الحكم من جهة، كشأن الوليد الذي امتحن به سيدنا سليمان عليه السلام، فيما يروي البخاري عن أبي هريرة: أن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام كان له ستون امرأة فقال لأطوفن الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة ولتلدن فرسا يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسا يقاتل في سبيل الله”.
وإذ أنه لم يستثن ولم يقل إن شاء الله تعالى على سبيل النسيان فقد امتحن بهذا الامتحان، فكيف بالذي يقصد إلى معاكسة الحق وأهله بنية مبيتة ومغالطة سيئة، إذ لا بد وأن يكون نتاجه أسوأ من وليد سليمان الذي امتحن به، بحيث وجدنا التقارب بين العلمانية والتسلف في عدة قضايا، منها ما يسمى بأسلمة المعرفة وتأسيس علم النفس الإسلامي وهو خال من روحه وأسسه الإسلامية وإنما هو صورة مغلفة أو مقلدة بتحفظ شكلي لعلم النفس الغربي ذي الاعتماد الحيواني بالدرجة الأولى, فلا هو بقي نصا في صيغته ومعناه الأصيل ولا هو قلد الغرب في ماديته ومآله الوبيل، وقس على هذا من أنواع الكتابات الفجة التي تملأ بها المكتبات وتزخرفها الأغلفة بسبب الدعم والتمويل لتحقيق هذا الهدف المزيف!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock