أخبار محليةأخبار وطنية - دولية

حقوق الطفل تحت وطأة جائجة الكوفيد-19

ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة - MEDIA COM ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة -  MEDIA COM

حســــان أينــــــــــــــاو
لم يقتصر وباء الكوفيد-19 على كونه أزمة صحية فحسب، بل ألقى بظلال تداعياته عالميا على عدة مستويات منها الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والتربوي وغير ذلك من التأثيرات سواء الواضحة منها أو الضمنية…. حيث ضربت الجائحة صميم حقوق الإنسان من مختلف الزوايا والأركان، بسبب تأثيرها المباشر أو غير المباشر على جميع مناحي حياة الأفراد والمجتمعات، وكذا حرياتهم. خاصة الطفل باعتباره الحلقة الاجتماعية الأضعف، لكونه يحتاج إلى الرعاية الفائقة والحماية الخاصة. كما أشارت إلى ذلك منظمة الصحة العالمية، وكذا بعض الجهات والمنظمات المختصة، عندما حذرت من تنامي وتصاعد مشكلة العنف المقلقة للغاية سواء قبل كورونا أو أثناءها. حيث تؤكد الإحصائيات على أن الحجر الصحي المتبع في معظم دول العالم قد فاقم من العنف الأسري. (في الصين زادت نسبة العنف ضد المرأة بنسبة 18 بالمائة، بفرنسا 30 بالمائة، بالأرجنتين 39% وبتونس ارتفعت النسبة إلى “خمس مرات” وبالموازاة سجلت زيادات في نسبة الطلاق والتطليق).
واستنادا إلى هذه المعطيات، ارتأيت تسليط الضوء على بعض التجليات الناتجة عن تداعيات الجائحة على الطفل وبعض حقوقه، وذلك في إطار الحفاظ على المصلحة الفضلى للطفل على وجه الخصوص، وحماية الأسرة والمجتمع والوطن على وجه العموم.
على المستوى النظري، تتكرس عالمية حقوق الإنسان تدريجيا من خلال مصادقة أغلبية الدول على مختلف التشريعات والنصوص الدولية، حيث لم يتأخر المغرب بدوره في المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لسنة 1989، وذلك في شهر يونيو 1993، كما تبرز كذلك بعض مظاهر عالمية حقوق الطفل في التشريع المغربي من خلال المقتضيات الدستورية على وجه الخصوص. لكن رغم الأهمية البالغة التي تحظى بها أبعاد الاتفاقيات والصكوك الدولية المعنية بحقوق الطفل، يظل الاقرار الدستوري والاعتراف بعالمية حقوق الانسان غير كاف لضمان حقوقه، باعتبار واقع الطفولة بالمغرب يحتاج إلى مزيد من العمل لتعزيز حمايته، خاصة في ظل غياب مخططات واستراتيجيات كفيلة لتنزيل حقوق الطفل في بلادنا.
واستئناسا بمقتضيات المادة 31 من الاتفاقية المشار إليها سابقا، باعتبارها الإطار التشريعي المرجعي المصدر، نجدها تنص على ما يلي:
تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية وفى الفنون.
تحترم الدول الأطراف وتعزز حق الطفل في المشاركة الكاملة في الحياة الثقافية والفنية وتشجع على توفير فرص ملائمة ومتساوية للنشاط الثقافي والفني والاستجمامي وأنشطة أوقات الفراغ.
انطلاقا من روح ومنطوق المادة المذكورة أعلاه، وباعتبار الطفل رهان المستقبل، فمن البديهي أن تستوجب هذه الشريحة مزيدا من العناية ، وعليه يعمل المغرب جاهدا كغيره من الدول على تحسين أوضاع الطفولة وتحقيق أهداف الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، حيث تبنى برامج وإصلاحات تتجلى في تحقيق بعض ما يطمح إليه الطفل ، من قبيل التربية على الديموقراطية والمواطنة والتسامح، وكذا تفعيل حقوق المشاركة لدى الأطفال، وكذا تفعيل ثقافة حقوق الطفل والتحسيس بأهميتها من أجل خلق ثقافة الحوار بين الأطفال من جهة وبين الغير من جهة أخرى (المسؤولين، الآباء….)
بعدما تبنى المغرب سياسة الحجر الصحي وإعلان حالة الطوارئ الصحية، تفاديا لمخاطر تفشي الوباء، زاد محك جائحة كورونا من تعميق جراح الطفولة ، حيث عكر صفو حياة الطفل على جميع المستويات، وفي هذه الظروف الاستثنائية على سبيل المثال لا الحصر، استكمل الطفل فصله الدراسي بشكل قيصري، دون الاحتفاء مع زملائه ومدرسته بالنجاح ، ودون الاستمتاع بنكهة حفلة اختتام الموسم الدراسي، وذلك بعد حرمانه في عز أزمة كورونا من الفرحة الكاملة خلال عيد الفطر والاضحى وطقوسه، ليستمر مسلسل معاناة الطفل ، وينضاف هذا الحرمان إلى سلة همومه اليومية التي لا يقوى على استكشافها سوى الخبير السيكولوجي المتضلع.
فطيلة مدة الحجر الصحي، حرم الطفل، من حقوقه في المشاركة في جميع مناحي الحياة الثقافية والفنية والرياضية، التي افتقدها طيلة زمن الكوفيد، باستثناء ما جادت به الأسرة من مبادرات داخل المنزل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. خاصة مع غياب تنظيم المخيمات الصيفية وغيرها من الأنشطة القطاعية، حيث تم إقفال كافة الفضاءات الترفيهية والرياضية والمرافق الحيوية، الأمر الذي ضاءل حظوظ الطفل في ممارسة حريته وإبداء رأيه وتجسيده.
كما حرم الطفل من مختلف الألعاب والخرجات، خاصة الخارجية منها، باستثناء الألعاب الإلكترونية التي أصبحت بديلا افتراضيا في غاية الضرر، واستئناسه ببعض القنوات التلفزيونية التي لم تبخل عليه هي الأخرى بنمطيتها المملة من خلال تذكيره أحيانا، وترهيبه أحيانا أخرى بمخاطر مرض الكوفيد-19 عبر المواد الإخبارية أو التحسيسية أو غيرها من الوصلات والبرامج ذات الصلة….
علاقة بحق الطفل في حياة يومية سليمة وكريمة يستمتع من خلالها باللعب والترفيه، باعتباره الطريقة الوحيدة لتعلم صغار الأطفال ، وآلية من الآليات التي تساهم بشكل أو بآخر في صقل مهاراته الاجتماعية والانفعالية والجسمية والعقلية، لا بد من الوقوف على أهمية استثمار واستخدام الطاقات الحركية والعقلية للطفل، من خلال الاستجمام والتسلق والتوازن والتأرجح…هذا الأمر الذي يمكنه من تأكيد وزيادة الوعي الذاتي، واحترام وتقدير الذات ، مع تحسين الصحة الجسدية والعقلية وغيرها من المواهب والقدرات… وكذا ضمان الفرصة للتعرف على البيئة والمجتمع المحيط به ، وبالتالي التأسيس لبناء شخصية قوية قابلة للصمود والإبداع.
في حقيقة الأمر، افتقد المجتمع منذ جيل أو ما يزيد دفئ وقيمة “الكانون” الذي كان يعتبر وقتئذ الحصن الأكثر ملاءمة لمزاج الناس والأكثر راحة وجاذبية، هذا “الركن الغائب” الذي افتقدته مؤسسة الاسرة، و نسخته الثورة الرقمية والتكنولوجية المعاصرة، ليتم تعويضه تدريجيا بالأنترنيت ومواقع التواصل وغيرها من الآليات الالكترونية الحديثة…التي لا محالة قد تلحق الضرر بالطفل رغم تعدد محاسنها، خاصة عندما يغيب التعامل الإيجابي معها.
على مستوى الروابط الاجتماعية في زمن الكوفيد، تم تكريس التفكك الاجتماعي من خلال تطبيق سياسة التباعد الاجتماعي رغم عدم صحة التعبير (من الأفضل تسميته بالتباعد الجسدي)، حيث افتقد الجزء إلى الكل والكل إلى الكل، وتقلص منسوب العلاقات الاجتماعية، وانكمش صبيب قيم الدفئ والتماسك الاسري الاجتماعي) Désintégration de la famille et de la société ( ، وبالتالي انبعث لدى الطفل الإحساس بالوحدة والانعزال في غياب شبه تام للزيارات العائلية مما أدى إلى اضمحلال التفاعل الاجتماعي طيلة فترة الحجر الصحي وربما بعده.
على المستوى العمراني، لابد من الإشارة إلى تأثيرات السكن الاقتصادي والسكن غير اللائق على نفسية الطفل تحديدا في زمن الكورونا التي قلصت وبشكل كبير من هامش الحرية لدى الطفل، بسبب ضيق مختلف المساحات أو غيابها المطلق، خاصة في المدن الكبيرة والمكتظة، وذلك بسبب غياب المعايير الصحية والفنية المناسبة للسكن، وغيرها من المميزات العمرانية من قبيل التهوية وضوء النهار الطبيعي الذي من شأنه تنظيم الساعة البيولوجية والزيادة من كفاءة النوم والراحة.
وعلى هذا المنوال، تؤثر العمارات والدور السكنية الغير قانونية على الحالة النفسية وكذا طبيعة وتصرف الطفل أحيانا، وعلى حالته الفسيولوجية أحيانا أخرى، وفي هذا الصدد، أجريت العديد من الدراسات على سكان المدن وأوضحت أن تصميم المباني في المدن غالبا ما يصيب السكان بالتوتر والقلق ويزيد من الضغط العصبي، بل إن بعض الدراسات أوضحت أن التغيرات يمكن أن تطال حتى المادة الرمادية ووظائف المخ.
كما لا يفوتني أن أشير إلى شريحة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة التي لا تقل إجحافا ، حيث يعتبر اللعب بالنسبة لهذه الفئة من الأطفال من أهم الحقوق التي يجب أن تتمتع بها ؛ باعتباره يساهم في جعله طفلا اجتماعيا ، قادرا على التعامل والتفاعل مع الآخرين ، وبشكلٍ عام يساهم اللعب في علاج الإعاقات الذهنية والجسدية لدى الأطفال والأشخاص البالغين، لأن الشخص الذي يعاني من مشاكل ذهنية يميل إلى العزلة ولا يستطيع تكوين صداقات، لهذا ينصح الخبراء علاج الإعاقات الذهنية باللعب من خلال تداول النقود وركوب المواصلات، للتغلب على انعزالية ذوي الاحتياجات الخاصة.
ختاما، تعتبر الأسرة بطبيعتها مجتمعا، إذ إن الطفل حين يتأهل ويخرج من مجتمعه المصغر وهي أسرته، يسعى ليكون فردا فاعلا في المجتمع، وبذلك تتشكل نواة المجتمعات، كما أكد ذلك المؤرخ والمفكر “ابن خلدون”، عندما خاض في دراسة المجتمعات في مفاهيمها العميقة منذ زمن بعيد.
وعليه، يبقى لزاما على المغرب تبني سياسات بناءة تروم مشروعا وطنيا متكاملا، ينبعث من إرادة سياسية قوية ومن رغبة مجتمعية صادقة، تتبلور معالمها انطلاقاً من برنامج هادف وطموح وفق بوصلة واضحة، في أفق تحقيق حقوق الطفل وتنزيلها خدمة لرجال الغد.
واليوم ما أحوج الطفل إلى الحماية مثلما أحوج الوطن غدا إليه.

المراجع:
*اتفاقية حقوق الطفل 1989.
*داء «كورونا العنف ضد المرأة والطفل «! ناديا هاشم العالول.
*تعريف المجتمع في علم الاجتماع بواسطة: عبدالله عبيد.
*كيف تؤثر العمارة على المجتمع وكيف يتأثر المجتمع بالعمارة؟ الكاتب: أسامة سعد.
*ما هي حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، ساجدة أبو صوي.

حســــان أينــــــــــــــاو، مع خالص التحيات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock