أخبار محليةأخبار وطنية - دولية

عبد الرحمن اليوسفي: علم في تاريخ وطن

ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة - MEDIA COM ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة -  MEDIA COM

د.كمال الدين رحموني
تتعدد لحظات الأسى والحزن لدى الناس، وتتباين مظاهر التعبير عن هذا الحزن، في شكل تعبيرات وتصريحات ومواقف. وقبل يومين، توقفت رحلة أحدِ رجالات الوطن، الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي -رحمه الله-. وهي رحلة مُضمّخة برصيد تاريخي حافل، معاصر لثلاثة من ملوك المغرب. وفي لحظة الرّزء والموت، يتداعى الناس إلى التعزية والتشييع لأحدِ رجالات الوطن. كلُّ ذلك يجد له مسوّغا في نمط الحياة التي تختزنها ثقافة المفجوعين والحزانى. ويتفاوت الراحلون عن الدنيا، المغادرون لمباهجها وزخرفها، من حيث فترةُ الإقامة، والمكوثُ قبل الرحيل، فمنهم من يعمّر طويلا، ومنهم من يغادر سريعا، منهم من تظل أسماؤهم مرصّعة في صفحات تاريخ بلد ما، لا يطويها النسيان، ولا الشعورُ ولا الوجدان، حتى بعدما يصبحون خبرا بعد عين، ومنهم من يموت مرتين، أولاهما حين تغادر أرواحهم الدنيا، والثانية، وهي الأفظع، حين يختفي ذكرهم، وتختفي عناوينهم من ذاكرة التاريخ والناس، بعد أيام قلائل من الرحيل. فبحسب البذل والأثر، يبقى الذكر مترددا، والثناء مستمرا، لأن الذكر يغدو جزءا من التاريخ الحضاري لكل بلد. فكم هي الأسماء التي لايزال ذكرُها عصيّا على النسيان، بقدر تركة العلم والجهاد والنضال، أو التدبير الناجع لشؤون الناس، أو الحكمة ونكران ذات، أو نظافة اليد، برغم إغراء السياسة، وإغواء المنصب، في زمن عزّ فيه من يتجرد لمصلحة الوطن والأرض والشعب. وأثناء رحيل هذه الطينة من النخب، يتجدد سؤال مفردات بعض المفاهيم المتعالقة، مثل ارتباط السياسة بالمصلحة، هذا الفهم الروتيني الذي يعشش في أذهان من لا يمتلكون الوعيَ الكافيَ، أو تٌعوزهم الذاكرة الناقدة، هؤلاء الذي يتصورون السياسة غنيمة، و”حقا مشروعا”، فيستلذّون الرَّتْع في مقدَّرات البلاد والعباد. يصعبُ أن تجد رجالا صدقوا ربهم ووطنهم، ومع صدقهم في تحمل الأمانة التي ناءت بحملها السماوات والأرض، يستمسكون بالمبادئ التي ظلت تنظم حراكهم النضالي، وينتصرون لها، فيُوفَّقون في التمييز بين الحق والواجب، ويجسدون الفهمَ الموضوعيَّ لقيمة المسؤولية، وينسجون خيطا ناظما بينها وبين الامتياز والرّيع، ويميزون بذكاء ونُبل، بين من يعتبر نفسه خادما لمن استأمنوهم على الصوت والثقة، وبين من يختصر النيابة والمسؤولية في الشرف والغنيمة . وفي فترة رحيل من يحوزون الإجماع على حكامة التدبير، ونقاء السريرة، يظهر حجم الفداحة والخسارة بموت أمثال هؤلاء الرجال، بالمعنى القرآني، وكونُهم رجالا، لأنهم حازوا مقومات الرجولة المعنوية، وهو توصيف الكتاب العزيز لهم بقوله تعالى : ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ الأحزاب28. ولمعنى الصدق في النص مدلولات متعددة، من أبرزها العلم والحفظ، وهما شرطان ضروريان لكل من يريد تخليد اسمه عند ربه، ويسطّر ذكره في تاريخ وطنه. وهي قاعدةٌ تسري على الناس جميعهم، نُخبِهم وعامّتِهم، بل حتى على أنبياء الله – عليهم السلام-، فهذا يوسف النبي – وهو يتطلع إلى تدبير خزائن مصر – لم يتوسل بنبوته ، ولا بنسبه، وانما بقيمتين خلقيتين، فيقول لعزيز مصر ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يوسف55. والعلمُ في السياق، علم تدبير المهام الموكولة، وهو ما تبيّنت نجاعتُه في استشرافه لمستقبل مصر الاقتصادي. وأما الحفظ، فهو الشرط الخلقي، أو بتعبير العصر، حياة الضمير، ونزاهة العقل، ونظافة اليد. شرطان مهمان للتصدي لتدبير شؤون الناس، وما أشد جسامة المسؤولية، ولذلك حذر منها النبي الكريم في حوار رقيق مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين طلب الولاية فقال له: « إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». وبقدر هذين الشرطين – الحفظ والعلم- تكون مكانة المسؤول، أو الموظف، أو الأجير، وكلما تفاوتت المسؤوليات وتعاظمت، كلما تعاظم حجم الإغراء والاختبار. فهل يستطيع المسؤول أن يحافظ على قيمة التجرد من المغريات والامتيازات التي يتيحها المنصب، وتمنحها “السلطة”، وهي كثيرة ؟ وهل يقوى على الرّدع الذاتي لنوازع الشره والتهافت على مراكمة الثروة، في “فرصة عُمر” لن تتكرر دائما؟ وتلك لعمري عقبة يعسُر اقتحامُها، إلا على من راكم رصيدا من وعي الضمير، وحسّ الوطن، وسلامة القصد، وقبلها الخشية من الخالق. وفي تاريخ الوطن قبل الاستقلال وبعده، تعددت أسماء الأعلام ،كلٌّ بحسب رصيده التاريخي، من مجاهد في حقبة الاستعمار البغيض – وأغلبهم رحل عن الدنيا، ومنهم من كُتب له البقاء إلى حين- فظلت جذوة النضال متوقدة، فتغيرت أساليب النضال من مقاومة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال، إلى المطالبة بالحقوق وتحقيق انتقال ديموقراطي، وهو ما يعدُّ ملمحا بارزا في حياة الفقيد الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، الذي غادر الدنيا الى دار البقاء، بعد عمر مديد حافل بالنضال السياسي. فاللهَ نسأل، أن يتغمده بالرحمة الواسعة، ويشمله بالعفو والجزاء الحسن.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock