أخبار جهويةأخبار محليةأخبار وطنية - دولية

كتاب: فرسان الأنفاق ـ صدى السنين ـ (لرابح قاسم واعمر ) ـ الحلقة 3

ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة - MEDIA COM ميديا كوم ... جريدة إلكترونية ... شاملة -  MEDIA COM

التسجيل بإعدادية جرادة
ودعنا أحمد ثم ذهبنا إلى مقر الإعدادية التي توجد على بعد حوالي كيلومتر واحد من بيت شقيقتي… واستقبلنا من طرف الحارس العام للثانوية الذي تساءل في البداية لماذا وقع اختيارنا على جرادة ولماذا لم نذهب إلى تاوريرت التي ننتمي إليها إداريا… ولكن والدي أعطاه الجواب الكافي الذي يبدو أنه كان يحفظه:
– الله غالب يا سيدي! جئنا إلى جرادة لأن لنا بها أقارب قد يقبلوا بإيواء ابني الذي يصر على متابعة دراسته… أرجوك ساعدنا … لم يبق على وقت التسجيل إلا هذا اليوم …
ربما كانت أسئلة الحارس العام، أسئلة أوتوماتيكية يرددها على كل من أراد التسجيل. لم يدع والدي لينهي كلامه حتى كان قد خط اسمي بالفرنسية في لائحة طويلة ثم بدأ في ملء بعض الأوراق …
ولم تمر عشر دقائق حتى أصبحت تلميذا في قسم الملاحظة رقم 5 بثانوية جرادة. وكانت فرحة عارمة قد غمرت شعوري واستولت على نفسي… أحسست من جديد بأني أصبحت خفيفا، وأن وزني قد لا يتجاوز وزن الورقة التي تعبث بها الرياح … وكان يوما تاريخيا آخر في حياتي.
وعندما كنا بصدد تناول طعام الغذاء، كان “قدور”، زوج أختي، يسرع في الأكل لكي يتمكن من الالتحاق بعمله في منجم الفحم الحجري، عندما بادره والدي بسؤال كنت أتمنى بدوري أن أسمع جوابه، وهو موافقته على أن أعيش في منزله مع أختي وقد جاء جواب قدور واضحا ولا غبار عليه، بأنني سأجد في بيته عائلتي التي ودعتها وسوف لن ينقصني أي شيء، وما علي إلا الاجتهاد في دراستي، … وأن أي زيغ أو خروج عن الطريق سيعاقبني عليه! وقد التقط والدي العبارة الأخيرة ليؤكد لقدور بأنه حر في ذلك وأنه ابتداء من الآن فسيكون بالنسبة لي بمثابة الأب الثاني.
تحولت الجلسة كلها إلى محاضرة حول السلوك المثالي الذي يجب علي أن أتحلى به مع الأهل والجيران وأن لا أرافق أصدقاء السوء … أما أختي “فاطنة” التي كانت تصارع نوعا من الكآبة منذ وصولنا فقد تفتح وجهها وأشرق بضحكاتها المعهودة … ولاشك أن لموافقة زوجها على أن أستقر بمنزلها علاقة مباشرة مع تغير مزاجها وربما يكون قد عارض في البداية، قبل أن يقبل بالأمر الواقع …
***
زيارتي الأولى لجرادة
كانت زيارتي الأولى لجرادة في ربيع سنة 1960..وقد ركبت الحافلة الوحيدة التي كانت تربط “أولاد أعمر” بـ”جرادة” مرتين كل أسبوع، عبر مسالك طويلة وملتوية وغير معبدة.. وقد قمت بهذه الزيارة صحبة صديق طفولتي وزميلي في المدرسة، و هو ابن عمتي عبد الرحمان…
كان لعبد الرحمان عائلة كبيرة تسكن بجرادة ، ومن ضمنها عمان يسكن أحدهما بـ”جرادة” والآخر بـ”حاسي بلال”،..وبما أن عبد الرحمان كان قد سبق له أن زار جرادة عدة مرات ويعرف أزقتها جيدا،كان قد وعدني بأن يوصلني إلى منزل شقيقتي، خاصة وأنه لم يكن يحمل معه إلا حقيبة يدوية صغيرة، …أما أنا فكنت محملا بصميل (شكوة) ضخم مملوء باللبن الطازج ولا أستطيع حمله بمفردي ..ولكن بمجرد ما نزلنا من الحافلة، لمحت شخصا أعرفه من عائلة زوج أختي… وهكذا تملصت من تحمل المسؤولية عن الشكوة وبالأحرى تخلصت من ثقلها وتركتها لذلك الشخص الذي لم يخف فرحته عندما ضمن شربة هنيئة مريئة من اللبن الذي يفوح بعبق فصل الربيع…
أختي فاطنة التي تزوجت قبل ست أو سبع سنوات.. لم أكن أراها إلا مرة واحدة في السنة، عندما يحصل زوجها على إجازته السنوية فيقومان بزيارة القرية، كانت صورة فاطنة تؤثث أزمنة بعيدة في مخيلتي.. كانت تقدم لي كل المساعدات اللازمة.. عندما بدأت الخطوات الأولى في هذه الحياة ،وخاصة عندما كانت قدمي تصطدم بالأحجار والأشواك.. وعندما كنت ألبس نعالي المطاطية فأخالف بين اليمنى واليسرى.. وعندما كنت أصاب بنزلات البرد الحادة المصحوبة بالسعال الخانق…وعندما أصابني أحد الأطفال بحجارة فتشققت من جرائها شفتي العليا..وعندما تورمت رجلي نتيجة شوكة سكنت بعمق قدمي…ولم يكن من بين أهم محطات هذه المرحلة إلا ما يدمي القلب لتنزل الدموع محرقة، بل إن العكس هو الصحيح..لأن أختي فاطنة كانت ذلك الملك الذي يتلون مع الظروف ليصنع الفرحة تارة والفرجة تارة أخرى..و ليزرع الأمل مرارا في نفس تعبت من كذب وتسويف الكبار..كانت أختي فاطنة البوابة السحرية التي تنفتح على الأغاني الحزينة والقصص الملحمية.. حيث تتصادم الرغبات البغيضة لـ “ثامزا” مع الحيل الجميلة لـ “حمو الحرامي”..
إنها المحطات الصعبة من طفولتي التي كانت شقيقتي الكبرى حاضرة فيها..بل وفاعلة و مؤثرة..فلا عجب إذا، إذا كانت فرحتي بلقائها لا تضاهيها أية فرحة..
أشرقت أمامي أزقة الحي المغربي بمدينة جرادة بأضوائها الخافتة ..أزقة مملوءة بالأطفال ذكورا وإناثا..الذكور يلعبون الكرة أو “دنفري” والبنات يقفزن حول المربعات على رجل واحدة أو يلعبن كرة الحائط المصحوبة بأنشودة غير مفهومة.. أطفال من مختلف الأعمار …فيالق جيوش يموج بعضها في بعض في هذه الأزقة الترابية الضيقة المتسخة ..وإزاء الأزبال التي تتصدر الأزقة والتي قد تشهد على إيجابية واحدة ـ والحمد لله على ذلك ـ وهي أن الخير يعم البلاد وأن البطون قد امتلأت حتى ألقت ببقايا الخبز و”الحريرة” والمرق و”الكسكوس” في هذه المزابل…
وبدأت أتصور ماذا كان بوسع والدتي أن تعمل لو رأت أن نعمة الله يعبث بها..والدتي المسكينة التي ربتنا على حب نعمة الله التي لا يجب أن ترمى إطلاقا..ووالدي المسكين الذي لو شهد هذه “الجرائم”، فربما كان سيجلس بقرب المزابل ليفك حبات الكسكوس من التراب ويلقي بها إلى الدجاج..أم ربما كان سيأتي بالدجاج إلى هنا ليشبع جوعه..ربما كان سيمسح بطرف سلهامه قطع الخبز، ليطعم بها أول نعجة عجفاء تمر بجانبه..وربما كان سينادي على الكلب “صياد” ليطعمه الخبز قطعة، قطعة..إلا أن “صيادا” لو جيء به إلى هذه الأزقة، ،كان سينشغل بالخيرات الأخرى .. سينشغل بما لذ وطاب من المرق و”الحريرة”، وسيترك الخبز اليابس في يد والدي ولسان حاله يقول :لماذا لا تأكله أنت..؟ وذيله المقوس يكاد ينفصل عن جسده النحيف من شدة الاهتزاز، من شدة الفرح..الفرحة لا تأتي أبدا مع الجوع..نحن نحب الفرح لأننا عندما نشبع ننتشي ونحس بالفرح…
في قريتنا كل شيء يمشي غير بعيد..عن هامش الجوع ..الجوع علمنا. وعلم والدينا بالخصوص.. وعلم العديد من شعوب العالم..بأن لا تلقي بالأكل في المزابل.. وإذا مررت بحبات القمح أو الشعير أو الذرة أو القطاني ملقاة على الأرض ..وكنت راكبا ..فترجل عن صهوة دابتك والتقطها واجمعها وصنها وإن لم تجد ما تصنع بها فأطعم بها ذات كبد رطب لتنال بذلك أجرا عظيما…والدي يحفظ ويعي جيدا معنى الحديث النبوي الشريف ويردده كل مرة :” ثلث للأكل وثلث للماء وثلث للهواء” إنه بطن الإنسان المؤمن..
عانقتني أختي مرارا وربتت على ظهري، كان وجهها الأبيض الوضاء الذي احمر من شدة المفاجأة قد أعلن عن بلوغها ذروة السعادة وكنت بدوري أشعر بنفس الشعور وبفخر لم استطع الإفصاح عنه، لأنني كنت البطل الذي جلب إليها وإلى أسرتها هذه الفرحة.. وتذكرت بأني جلبت معي شيئا آخر.. الشكوة؟.. أين ذهب بها صاحبنا..؟ فرحت أبحث بعيني عن الشخص الذي وفر عني حملها ..فرمقته وهو يرد أنفاسه بعد أن شرب كأسا كبيرا من اللبن ،ووضع الكأس الفارغ على حافة نافذة المطبخ …فلم يتمالك الحاضرون من إرسال قهقهاتهم المصحوبة بتعاليق مختلفة..وقد لاحظوا أن صاحبنا استغل انشغال الجميع بالترحيب بي فانفرد بالشكوة وكأنه يعترف لها بلوعة حب قديم و يعاتبها على طول الغياب ، ولم يجد الجرأة الكاملة لإحتضانها..
لم يمر علي بجرادة إلا يوم واحد، حتى نسجت علاقات طيبة مع أطفال الحي الذين كانوا ينادونني في البداية بـ”لعروبي”..ولكن سرعان ما فرضت نفسي بأفكاري “وشعاراتي الثورية”…وعلى رأسها شعارا حفظه الكثير من الأطفال:”الكفرة الفجرة أرماو الخبز ف الزبالة”..هذا الشعار وغيره، انتشر انتشار النار في الهشيم ..ومن ثم أصبح إلقاء الخبز في المزابل ممنوعا منعا باتا..بل قمنا بحملات دعائية لدى الأمهات وطلبنا منهن عدم إلقاء الخبز حيثما تسنى لهن، ولكن يمكن جمعه في مكان نظيف وسوف يمر من الأطفال من يجمعه..كما قمنا بتفتيش بعض النفايات الصلبة بحثا عن الخبز اليابس لنخلصه من براثنها العفنة..وجمعنا ما يمكن جمعه ومسحناه وحملناه إلى تاجر النخالة والخبز اليابس..الذي شك في بداية الأمر في النية الصادقة للأطفال..ولكنه عندما سمعهم يرددون الشعار..خصص عشر سنتيمات لمن يجمع سطلا متوسطا من هذه النعمة..
قضيت أسبوعا كاملا في ضيافة أختي..وكان هذا الأسبوع كافيا بأن يعيد إلى ذاكرتي ضباب الطفولة الذي بدأ يبتعد في الماضي يوما بعد يوم..تذكرت جيدا ما أسدته إلي أختي من يد بيضاء..تذكرت مساعدتها لي، واهتمامها بي وبنظافتي ومأكلي ومشربي..ورغم أني في قرارة نفسي لم أكن أرغب في الرحيل عنها…ولكن شيئا من أنفة الرجولة التي كانت تكبر بداخلي، جعلتني أضغط على عواطفي، و أشد الرحال إلى “حاسي بلال”..إلى شخص آخر أحبه كثيرا إنه عمي البشير الذي لم أره منذ أكثر من سبع سنوات..

زيارتي لعمي البشير
وحتى أزور عمي كان علي أن أبحث عن زميلي عبد الرحمان الذي لم أعد أراه كثيرا في الأيام الأخيرة لانشغاله بزيارة الأهل ،..وذلك من أجل مرافقتي لزيارة عمه بحاسي بلال الذي سيأخذني بدوره إلى مقر عمل عمي البشير..
وكذلك كان ..فقد رافقت عم عبد الرحمان إلى المنجم وكان توقيته مدروسا ومضبوطا إذ بمجرد ما اقتربنا من مدخل البئر المغطى بالقفص الحديدي المعروف، حتى انطلق الدوي المزعج لصفارة التنبيه إلى الوقت، والإشعار بأنه قد آن الأوان ليأخذ الفوج الموالي من العمال مكانه في أعماق الأنفاق، ولينصرف الفوج الذي أمن استمرارية الشغل طوال الثماني ساعات الماضية، لأخذ قسطه من الراحة…كان دوي الصفارة أو (الزواكة) مزعجا فعلا، إذ كان يستمر أكثر من اللازم.. وكان يطلق عليه كذلك اسم: “الدَّبُّو” بالفرنسية وتعنى الوقوف!! أو قفوا !! وكان الناس وحتى الذين لا علاقة لهم بالمنجم ، كانوا يضبطون توقيتهم كلما سمعوا صفارة “الدَّبُّو” التي كان صوتها يصل إلى كل الآذان ليدغدغها ويوقظها رغم أنفها حتى وإن كانت في سبات عميق، ولا شك أن “الدبو” كان موجها كذلك إلى الأساتذة والتلاميذ وإلى كل الحرفيين الذين كان يذكرهم بالالتحاق بمدارسهم ومقرات عملهم..
وكنت كلما سمعت صفارة “الدبو” المزعجة إلا وتذكرت الأنشودة الرائعة:
Debout les gars reveillez vous///Il va falloir en mettre un coup///Debout les gars reveillez vous///On va au bout du monde///
هذه الأنشودة التي لا شك أن جيلي لا يزال يحفظها عن ظهر قلب ويتذكر قسمات وجه الأستاذ الذي علمها له أول مرة…
كان عمال الفوج الأول بصدد مغادرة المنجم.. أوصاني مرافقي بأن لا أبرح مكانا غير بعيد عن مدخل بئر الفحم الحجري، وأن عمي هو الذي سيأتي إلي.. وقال لي مازحا بأن أحاول التعرف على عمي قبل أن يناديني باسمي.. وكانت بالنسبة لي فرصة لا تعوض لأشاهد العمال وهم يخرجون مباشرة من تحت الأرض حيث أمضوا ما يزيد على الثماني ساعات من العمل المضني ..كانت هذه اللقطات من أروع ما سجلت ذاكرة طفولتي الساذجة، التي كانت تندهش لأدنى شيء يخرج عن المألوف فما بالك بهذه الوجوه التي تتشابه، وجوه سوداء تكاد تفقد الملامح الآدمية.. كان المنظر غير عادي، بل كان يبعث على الخوف .. وجوه قاتمة تخرج لتوها من أعماق الأعماق السوداء، وكأنها مخلوقات غريبة كانت محجوزة بنفق تحت الأرض، وبمجرد ما تحررت،بدأت تتسابق إلى عبور الفوهة، وكأنها تفر من شيء مخيف،.. ربما من قوة عظيمة كانت تلفظ العمال إلى خارج البئر واحدا تلو الآخر كما يخرج النمل من جحره…
لم أمكث عند عمي الذي كان يسكن بدوار رقم واحد، إلا ثلاثة أيام..وذلك رغم طيبوبة زوجته “حلو” آلتي أتعرف عليها لأول مرة..والتي أغدقت علي من كرمها الحاتمي إلى درجة أنها كانت تطلب مني وتلح علي إن كنت أشتهي أكلا معينا لتهيئه لي..أنا الذي اعتدت على تناول قطعة خبز الشعير وكأس شاي، وفي أحسن الأحوال الكسكوس مع الحليب ،..وقد حاولت خلال إقامتي بمنزلها بأن تطعمني كل ما لذ وطاب،لأنها، كما قالت، اعتبرتني ضيفا من الضيوف الكبار..وكان عمي البشير يضحك كثيرا من طريقتها في برتوكول الترحاب الذي استقبلتني به والذي كانت تحسنه جيدا..إذ أنها كانت توقظ في الإنسان شهية الأكل لتجعله يأكل وإن لم يكن جائعا..كان الرعيل الأول من أبناء أعمامي ومن إخواني قد أطلقوا عليها اسم “حلو” وكان عمي البشير قد تزوج بـ”حلو” عقب وفاة زوجته الأولى، التي، خلفت له بنتا وولدا.
و”حلو” في عرف قبائلنا هو اسم تصغير للتمليح لاسم “حليمة” الذي هو اسمها.. ينادي به الأطفال كل من تحمل هذا الاسم احتراما لها..وهذه الطريقة منتشرة جدا لدى القبائل الأمازيغية..إذ قد لا تجد اسما غير قابل لتصغير التمليح ينادي به الصغار الكبار سواء كانت الأسماء المصغرة للإناث أو الذكور…فمحمد يناديه الصغار “حمو” وعلي ينادونه علَّ ومسعود ينادونه “سعُّو”..وقد يكون التصغير واحدا للذكر والأنثى عندما يكون الاسم قابلا للتذكير والتأنيث فمثلا مبارك ومباركة فتصغيرهما واحد هو “بايا” رغم أن البعض يصغر المؤنث بـ”باشَّة “..الخ ..وهذا طبعا بالإضافة إلى صفات القرابة التي تجمع الصغار بالكبار : كعمي وعمتي.. الخ.
ومن حق القارئ أن يطرح السؤال : هل هناك قاعدة متبعة في إطلاق الأسماء المصغرة…؟الجواب لا أعتقد ذلك..كل ما هناك أن هذه الأسماء المصغرة، التي غالبا ما أطلقها أحد الأطفال الصغار وهو بصدد ترويض لسانه على نطق الاسم كاملا..إلا أن لسانه الذي لم يطاوعه نطقها على هذا النحو، فاحتفظت بها الذاكرة الشعبية من خلال الممارسات اليومية المتكررة حتى أدخلتها في إطار التقليد..
وعلى ذكر صفات التمليح، فإن صفات التقبيح أو القدح أو التنقيص أو التنابز بالألقاب كما سماها ديننا الحنيف، واردة هي كذلك في تقاليدنا اللغوية الأمازيغية…إذ لا يكاد أي شخص ينجو، ومهما كانت منزلته الاجتماعية، من صفة أو نعت أو لقب اختير له على مقاسه خلال مرحلة من مراحل حياته نظرا لعيب لازمه في خلقه أو أخلاقه…كعاهة لحقت به في مشيته من جراء عيب في رجله..ليصبح عيب العرج ميزته الكاريكاتورية.. فيغيب اسمه الحقيقي تدريجيا وراء لقب “لعرج”..أو كأن يزداد بسِمَةٍ في خلقه كلونه أو لون عينيه أو لون شعره..فيطلق عليه لقب يميزه كالأشقر أو الأسمر..كما أنه يمكن للشخص أن يكتسب لقبا في أعقاب تصرف معين اشتهر به…مثال ذلك ما قام به جدي الذي برع في يوم من الأيام في لعب كرة العصا ،ويحكى أنه وهو في أوج الحماس في الدفع بكرته إلى نقطة المرمى المتفق عليها..قد وجد نفسه بغتة أمام خيمة صغيرة بأطراف إحدى الدواوير، وحتى لا يحرم فريقه الكروي أو القبلي نشوة الانتصار، فقد كان مضطرا من قفز الخيمة التي اعترضت سبيله من أجل تسجيل الهدف، ويبدو أن صاحبة الخيمة التي تعجبت من قفزته العملاقة قد صاحت في أعقابه: ـ ما أعتاه..،أي ما أقواه… ومن هنا أكسبنا جدي لقب : “مَعْتَاه”.. الذي أطلق في الأصل من أجل التقدير والتعظيم.. ولكن تحول مع مرور الزمن إلى القدح والتنقيص…
عموما فإن الصفات أو الألقاب المكتسبة، قد لا يكون فيها أي دخل للفرد الذي يلبس لبوس هذه الصفة التي منحها إياه مجتمعه غصبا عنه وبطريقة كاريكاتورية..فإن كان خيرا اطمأن به وإن كان غير ذلك تحمله على مضض..
تعرفت على ابن عمي محمد الملقب بـ”الزيزون” لأنه كان يجد صعوبة كبيرة في نطق بعض الحروف وذلك عقب مرض أصيب به في صغره،..و كان يرعى البقر،..و على غرار باقي السكان فقد كان عمي وأسرته الصغيرة يسكنون خيمة كبيرة بحي “رقم واحد” بحاسي بلال، وهو من أقدم الأحياء.. هذا “الدوار” الذي لا يختلف في شيء عن “الدواوير” في قبائل “أولاد اعمر” ماعدا انه لم يحترم بعض المواصفات العرقية بالخصوص التي روعيت في دوار “أولاد اعمر” بجرادة مثلا، حيث يسكن أبناء قبيلة معينة كمجموعة واحدة يراعى فيها بدورها التقارب بين الأسر..
كانت الخيام المنتشرة في “رقم واحد” تجسد التقارب بين أفراد قبائل “أولاد اعمر” وخاصة عندما يغادرون أو يبتعدون عن القبيلة الكبيرة، لتجد “العمراوي” يتودد إلى أخيه “العمراوي” الآخر إلى أن ترفع الكلفة بينهما فيصبحان وكأنهما متعارفين منذ القدم،.. كانت كل خيمة تحتل ما قدر لها من المساحة ، ولم يكن بوسع النازحين الجدد اختيار مكان نَصْب خيمهم، بل ربما تُرِكَ ذلك للصدفة لتلعب دورها..
كانت المرة الأولى التي رأيت فيها عمي البشير قبل سبع سنوات، وذلك على إثر وفاة عمي “الحبيب” بقرية “بزوز”..وكان وصول عمي البشير إلى ديارنا عشية ذات يوم أربعاء من أيام أواخر الخريف الذي شهد على بكاء الرجل بصوت مرتفع..
كان عمي البشير قد أبكى كل المسافرين على متن الحافلة من “جرادة” إلى أولاد أعمر” بجداول دموعه الصامتة ..وبمجرد نزوله من الحافلة فقد ترك العنان، لا لدموعه فقط، لتبلل لحيته الخفيفة وصدره، بل ولحنجرته لتنادي بأعلى صوتها : لماذا ذهبت يا أخي؟ لماذا ذهبت بمفردك .لماذا لم تنتظرني..أين أنت يا الحبيب..؟
كان المنظر مؤثرا للغاية ..لقد استقبله الكثير من المعارف بـ “دوار إبنعلاين” الذي كانت الحافلة تقف غير بعيد منهم ..فمر بوسط مضارب خيمهم ..لقد حاولوا تهدئته، وعندما أصر على البكاء، جاءوا من خلفه نسوة ورجالا وهم يذرفون الدموع ..فاستقبلهم أفراد عائلتي الكبيرة عن بكرة أبيهم فحولوا خيمة المرحوم إلى خشبة مسرح شهد فصولا درامية من البكاء والنحيب يشيب لها الولدان…
وحتى يخلد عمي زيارتي له بـ”حاسي بلال” فقد قرر بأن يشتري لي سروالا وقميصا..ولكن مع أسفي الشديد لم نعثر على قياسي رغم زيارتنا لكثير من المحلات.. وهكذا تذكر عمي صديقه الخياط بحي “الطوبية” المدعو “حداد” الذي أخذني إليه وبيده القماش الأزرق الداكن والذي فهمت بأن له علاقة بلون “الزي الرسمي” لعمال الأعماق وفرسان الأنفاق..، وكانت الشركة تبيعه للعمال بثمن رمزي..إلا أن فرحتي بلباسي الجديد كانت لا تضاهيها أية فرحة أخرى، خاصة وأني ألبس لأول مرة لباسا خيط على مقاسي وله لون كلون لباس “الزوفريا”،وكان هدية من عمي الذي أحببته كثيرا.
لم يكن لدي الوقت الكافي لنسج علاقة مع أطفال “دوار رقم واحد”..ومع ذلك فقد واتتني الفرصة لأحصل على مكان مشرف ضمن كوكبة من تلاميذ كتاب قرآني،أبناء جيران عمي الذين قرروا القيام بعملية “الشحذ” من أجل “تزويق اللوحة”..وذلك بأن أخذ أكبر التلاميذ لوحة خشبية من النوع الذي يستعمل في الكتاتيب ،مرسوم عليها آيات قرآنية بخط جميل ،وبدأ يستوقف المارة ويطلب منهم المساعدة أو الصدقات من أجل “تزويق” أو القيام برسومات فوق لوحته بمناسبة حفظه لجزء مهم من القرآن الكريم..أو بلغتنا اليوم،فهو طلب تشجيع من أجل مواصلة حفظ القرآن الكريم..وكان على هذا الطالب الذي يكبرنا سنا أن يكون مرفقا بجماعة من “المحضرة”أو الطلبة الصغار..وبما أنهم كانوا قلائل،فقد سمح للأجانب مثلي بتعزيز صفوفهم ..

الخير في ركاب “بالخير”..
وقبل أن يغادر والدي جرادة، عرفني على أحد الجيران، وهو زوج شقيقة “قدور”، من زملاءه القدامى الذي يسكن بجوار منزل “قدور”، وهو عمي “أحمد بالخير”، الذي كان يشتغل بالمنجم قبل أن يصاب بمرض السيليكوز، فأجبر على التخلي عن الشغل بالمنجم والاشتغال بالتجارة في المواد الغذائية في دكان صغير بحي “الطوبية” … الحي الأكثر شعبية بجرادة …وقد أوصاه والدي بي خيرا وطلب منه أن يقرضني المبالغ المالية التي قد أحتاجها لإقتناء الكتب واللوازم المدرسية.. كما أمرني بأن لا ألجأ إلى عمي “بالخير” إلا في الضرورة القصوى ..وبما أن المعني بالأمر من العائلة الكبيرة لزوج أختي، فقد تركت الأمر لشقيقتي لكي تتفاوض معه كل مرة عندما أحتاج لدرهم لحلاقة شعري أو بعض الدراهم لكي أقتني كتابا …
لا تزال صورة عمي بالخير بابتسامته العريضة ماثلة أمام عيني ..فكم كان هذا الشخص طيبا…فرغم ظروفه المادية المتواضعة فإنه لم يردني خائبا أبدا. بل العكس هو الصحيح .. فقد كان يشجعني على مواصلة دراستي… وكان يوصيني بالصبر، وكان يغذيني بالأمل… ويَكِنُّ احتراما كبيرا لوالدي الذي كان يطري عليه ويصفه بالشهم الشجاع وكان ينصحني بأن أنهي دراستي بسرعة لكي أحصل على شغل وأساعد والدي الذي نخر مرض السيليكوز عظامه هو الآخر.
كان عمي “بالخير” يعرف والدي وأعمامي منذ سنواتهم الأولى بمنجم جرادة… أي خلال السنوات العجاف التي نقشت مآسيها في ذاكرة عمي بالخير بالدم والمرض الموشوم على جبهته وذراعيه وساقيه باللون الأزرق الذي تخلفه الجراح الملتئمة بعد أن تكون قد شربت من غبار الفحم الحجري… غبار الموت والاختناق البطيء…
وكم مرة كان يناديني ثم يأخذ بيدي إلى منزله، لتلتحق بنا أختي وزوجها فنتناول معه ومع أبنائه وزوجته – خالتي فاطنة – وجبة غذاء أو عشاء شهية من تهييئ هذه الأخيرة، التي لا أغالي إذا قلت أنها جمعت كل صفات الأخلاق الحميدة من كرم ونبل وطيبوبة…
والواقع فإن كل الجيران كانوا معي ودعين طيبين ولن أنسى أبدا كرمهم الحاتمي إذ كانوا يجتمعون كل أسبوع تقريبا بمنزل أحدهم على وجبة غذاء أو عشاء فيؤثثون جمعهم بكل أنواع النكت والمستملحات التي تثير الضحك، بل وتبقى موشومة في ذاكرة الإنسان بلغة المرح والدعابة اللطيفة…
***

أبناء عماي
سبق لي في الماضي وخلال عطلة صيفية أن قمت بزيارة ثانية إلى جرادة لقضاء بعض الوقت مع أبناء عماي الذين كانوا قد استقروا حديثا بهذه المدينة بعد نزوحهم من قريتنا،… وكان هذا السفر بالنسبة لي فرصة سانحة أعدت فيها علاقتي مع أقاربي حميد وسعيد وأمحمد والذين كبروا وأصبحوا شبانا يافعين.. تحت الرعاية المباشرة لوالدتيهما اللتين انخرطتا في صناعة نسيج الصوف وخاصة الجلابيب الصوفية التقليدية للرجال.. هذه الحرفة التي شكلت في وقت معين مصدرا مهما لعيش الأسرتين.. بالإضافة إلى راتب “امعمر” الشقيق الأكبر لسعيد وامحمد الذي لم يجد بدا من الاشتغال بالمنجم… ومحمد شقيق حميد الذي اشتغل كمساعد لأحد “لمعلمين” في إصلاح الآلات الكهرمنزلية وخاصة الراديو…
وكان حميد قد تمكن من التسجيل بالمدرسة الابتدائية بأعجوبة كبيرة لأن عمره كان قد فات سن التمدرس، ومع ذلك فإن والدته التي ضحت كثيرا من أجله ومن أجل إخوته، قد استطاعت أن تقنع الجميع بأنه لا يزال صغيرا…
أما سعيد فقد فضل عدم ولوج المدرسة خاصة وأنه قد تمكن من الإفلات من رعي الماعز بـ”أولاد اعمر”، لذا فقد فضل الاشتغال بمهن حرة وبسيطة لا تكفيه حتى لشراء السجائر التي أصبح مدمنا على تدخينها…
أما أمحمد الشقيق الأصغر لسعيد فقد كبر هو الآخر ولم يعد ذلك الطفل المدلل، بل أصبح تلميذا في الصف الثالث الابتدائي.
كانت أسرتا أبناء عماي تقطنان جنبا إلى جنب،وقد سهل علي هذا التقارب في السكن زيارة العائلتين في نفس اللحظة وخاصة الالتقاء بسعيد وحميد وامحمد..

( يتبع)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock